بسـم الله الرحمـن الرحيـم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الأطهار الطيّبين وسلم تسليما وبعد
أ: يحي بن بهون حاج امحمد
أستاذ الأدب الجزائري الحديث
ورئيس قسم اللغة والأدب العربي
المركز الجامعي غرداية - الجمهورية الجزائرية
"مصطفى الشيخ" في ذمة الله
الفقيد مصطفى الشيخ _رحمه الله_ على يمين الصورة، في مكتبه بالعاصمة
لقد تلقينا ببالغ الحزن والأسى وبقلوب خاشعة مطمئنة، راضية بقضاء ربها وقدره، نبأ وفاة المغفور له _بإذن الله تعالى_ الأخ العزيز والمجاهد الفذ الشيخ مصطفى بن صالح بن يحي _تغمده الله بواسع رحماته_.
وأمام هذا المصاب الجلل لا يسعنا إلا أن نقول كما علمنا ربنا تبارك وتعالى، القائل في محكم تنزيله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون" صدق الله العظيم.
وستظل ذكرى فقيد الجزائر الثائرة خالدة في ذاكرة كل من عرفوه وأحبوه، كيف لا وقد عرفنا فيه حب الجزائر والجهاد في سبيل تحريرها، تمامًا كما عرفنا فيه الفضل والإحسان والتواضع والإخلاص وحب الخير للجميع وهي صفات يحبها الله ورسوله، وقد ترك ذرية طيبة نسأل الله لها الهداية والتوفيق، وترك صدى طيبا في رحاب العاصمة لما شغل منصب رئيس بلدية سيدي امحمد (1971/1974) نسأل الله أن يتقبل سعيه ويثبت أجره آمين يا رب العالمين، فـ"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية وادخلي في عبادي وادخلي جنتي".
أول لقاء بمصطفى الشيخ:
لقد سمعت عن هذا الرجل قبل أن أراه وتمنيت بالفعل لقياه، ولما تعرفت عليه وجلست إليه كان الوقت قد فات، كان ذلك في خريف 2007 وفي دكان الجزارة الذي يديره أخوالي آل بن عيسى، والكائن بـ22 شارع محمد بلوزداد بالعاصمة، فقد كان المرحوم يتردد على المحل باستمرار لاقتناء ما يحتاج من اللحم وغيره، فهو يقيم غير بعيد عن المحل، وهي بالنسبة له فرصة مناسبة لرؤية أقربائه وبني عمومته من المزابيين، إذ تجمعه بهم صلة المودة بالقربى خاصة مع صاحب المحل (عم والدتي) السيد: ابن عيسى محمد بن الحاج إبراهيم اسهاله، وأخيه عمر اسهاله والبقية.. وبرؤيتهم يتمثل الأجواء الحميمية للتجار المزابيين بمدن الشمال، وقد عاش أجوائها في صباه وشبابه، ويشتغل في هذا المحل أبناء العائلة فقط وهم يتوارثون هذه المهنة منذ الستينيات من القرن الماضي، كما يحرصون على تربية نشئهم الصاعد على العمل والتواضع وصلة الرحم..
هذا وقد عرفت من خلالهم بأن مصطفى الشيخ _رحمه الله_ والذي كان يبلغ من العمر حينها 82 سنة أو تزيد يتكلم المزابية بطلاقة وهو لم يزر وادي ميزاب في حياته إلا في مناسبات معدودة!!.
في أول لقاء بمكتبه: الكائن بـ 02 ساحة الأمير عبد القادر بالجزائر العاصمة:
لقد مر اللقاء التعارفي الأول سريعًا ونحن واقفين في مدخل محل الجزارة لآل بن عيسى قرب ساحة أول ماي، ولأن الفقيد لم يرو عطشي ببضع كلمات ولم أستطع ترتيب الأسئلة وهي تتزاحم في جعبتي، فقد فضلت الاستماع هذه المرة فقط، فبودي أن أسأله عن والده _رحمه الله_ صالح بن يحي الشيخ، ذلك الملاك الطاهر وذلك المجاهد العامل..كما يصفه الشيخ أحمد توفيق المدني في مذكراته..([1])، سيكون لنا حديث آخر عن صالح بن يحي لاحقًا..
قلت ولم أرو عطشه كذلك لما يريد أن يحدثني به عن والده.. فطلب مني وطلبت منه بدوري أن نلتقي ثانية، فقال لي زرني في مكتبي لنواصل حديثنا الشيق..
يوم الإثنين 28 جانفي 2008 وحوالي منتصف النهار، زرت الخبير المحاسب مصطفى الشيخ في مكتبه الكائن بـ 02 ساحة الأمير عبد القادر بالجزائر العاصمة وأهديت له كتبي الثلاث (رحلة الوارجلاني والمصعبي والقطب) ففرح لها فرحًا كبيرًا.. ودعا لي بالخير وشجعني على تقديم المزيد في هذا المجال، ورأيت في مكتبه صورة والده الشيخ صالح بن يحي الشيخ وخاله الشهيد إبراهيم حجوط رحمهما الله ورضي عنهما، وقد وضعهما في مكان بارز ومرتفع بحيث تقابلان كل داخل إلى مكتبه، فانجذبت متشوقًا إلى الحديث عنهما بعد أن أشرت إلى الصورتين وترحمت عليهما..
وقبل ذلك ذكرت له ومن دون تطويل ما كان من تاريخ أصحاب هذه الرحلات الحجازية، ثم استرجعت معه التاريخ الماجد للمزابيين بتونس، فذكر لي بأن الشهيد إبراهيم حجوط خاله، هذا الذي كان أحد المساهمين في تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين سنة 1956، وكان قبل ذلك قد ترأس "جمعية التعاون العام" سنة 1937 والتي كان أعمالها الاتحاد من أجل الدفاع عن مصالح التجار المزابيين بالعاصمة من احتكار التجار اليهود لمختلف الأسواق..
وقد استشهد قبيل الاستقلال بقليل ونكلت العساكر الفرنسيون بجثته بأن سحبوها بسيارة عسكرية "jeep" على طول شارع لالير (أحمد بوزرينة) وعلى طول هذا الشارع يتواجد أكبر تجمع للتجار المزابيين بالعاصمة آنذاك، وذلك ليخوفوهم من ملاقاة نفس المصير إن هم مدوا يد المساعدة للثوار أو للفدائيين، وقد سمي بعد الاستقلال نهج في شارع لالير باسمه تخليدًا لذكراه([2])..
وبالمقارنة أدركت مصدر التنشئة الوطنية التي يتمتع بها مصطفى الشيخ وعرفت تنوع منابعها، فعن والده صالح بن يحي أخذ الدروس الأولى في الوطنية والنضال السياسي، وعن خاله أخذ دروس الكفاح والثورة..
كما ذكر لي بعد ذلك بأن والده صالح بن يحي لم يغذ فقط الحرب الطرابلسية التي قادها سليمان باشا الباروني الليبي([3]) ضد الاستعمار الإيطالي لليبيا، بل ساهم بالإضافة إلى نشاطه المنقطع النظير في دعم الحزب الحر الدستوري التونسي بالمال والرأي، ساهم في تغذية ثورة الريف بالمغرب الأقصى والتي قادها الزعيم عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمار الفرنسي، فقد زار الغرب الجزائري وبالضبط تلمسان حيث التقى بوفد من الريف المغربي بالزاوية الهبرية في تلمسان ومدهم بما استطاع جمعه من مال وسلاح.. أضف إلى ذلك مساندته لحركة الأمير خالد بن الهاشمي بن الأمير عبد القادر الجزائري، هذا الأخير الذي شارك في الحرب العالمية الأولى وفي الصفوف الأمامية وكان برتبة قبطان، بعد نهاية الحرب دخل الجزائر وأسس جريدة "الإقدام" الوطنية وكان يطالب فيها بالحقوق التي وعدت بها فرنسا كل من شارك إلى جانبها في الحرب، فصار يناشدهم تطبيق مبادئ "وِلْسُونْ" ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن مطالب الأمير خالد انتهت بنفيه سنة 1923 من الجزائر إلى مصر.
وقبل أن انصرف من مكتبه الأنيق أهداني وبتوقيعه نسخة من كتاب يضم شهادات
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ