فقــه البنيـان
محاضرة للشيخ عبد الله بن عامر العيسري
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، ووأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيّه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد،،،
فأحييكم أيها الجمع الكريم المبارك بتحية الإسلام الطيبة، فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
( فقه البنيان ) هذا العنوان مثيرٌ لطرفين:
الطرف الأول هم المهندسون المعماريون الذين تربوا في مدرسة المعمار الغربية واطلعوا على كثيرٍ مما يتصل بالعمارة الإسلامية شكلاً ومضموناً، ولكنهم لم يعلموا أن هناك شيئاً اسمه ( فقه البنيان )، فالبنيان عندهم مجرد فنٍ لا يمت إلى الفقه بصلة.
والفئة الثانية هم فئة أولئك الذين أرادوا حصر الفقه في مجالاتٍ من الحياة محددة لا يتجاوزها؛ فأن تقول لأحدهم ( فقه الصلاة ) هذا مقبول أو ( فقه الزكاة ) أو ( فقه الحج ) أو ( فقه الصيام )، أما أن يكون للبنيان فقه فهذا مدعاةٌ للعجب والتساؤل.
ونحن لا نستطيع أن نوفّي هذا الموضوع الشائك المترامي الأطراف الواسع الأرجاء حقه ومستحقّه في دقائق قليلة لا لشيءٍ إلا لأنّ البضاعة مزجاة أولاً ثم لأن فقه البنيان قد اشتغل به الفقهاء فحبّروا فيه مجلداتٍ كُثر لا يمكن للإنسان أن يأتي بخلاصتها في دقائق قليلة.
وفقه البنيان اشتغل به فقهاء الإسلام من العصور الإسلامية الأولى إما بالموسوعات الفقهية يذكرون مسائله في خلل الأبواب كأبواب الإجارة والضمانات وغير ذلك من الأبواب، وإما عبر مؤلفات ورسائل مستقلة تتصل بالبنيان. ومن أهم ما أُلف في فقه البنيان ( كتاب القسمة وأصول الأراضين ) لأبي بكر الفرسطّائي رحمه الله تعالى من علماء أصحابنا من جبل نفوسة في القرن الخامس الهجري، وهذا الكتاب – للأسف الشديد – أول من اعتنى به هم المستشرقون، فقد اعتنى به أحد المستشرقين ولا يحضرني اسمه الآن فنشر عنه دراسات متعددة باعتباره بوابةً يلج منها إلى اهتمام فقهاء المسلمين بقضية العمارة وما يتصل بها من قضايا وإشكالات. وهذا الكتاب الذي ألفه صاحبه وسمّاه ( القسمة وأصول الأراضين ) ذكر كثيراً من المسائل التي تتصل بتخطيط المدن مما يدل على أن عبقرية الفقهاء في هذا الجانب هي غير مسبوقة عند العرب على الأقل. ومن أهم الكتب المتصلة بهذا الشأن ( كتاب الإعلان بأحكام البنيان ) لابن الرامي البنّاء، وابن الرامي فقيهٌ وبنّاءٌ تونسي عاش في القرن الثامن الهجري؛ وابن الرامي نشأ بنّاءً مثله مثل غيره من البنائين ولكنه اتصل ببعض علماء عصره فيما يتصل بمسائل البناء ثم بعد ذلك جمّع خلاصة تجربته في البناء في هذا الكتاب وذكر آراء غيره من العلماء ورأيه هو، وهذا الفقيه يميز كتابه أنه جمع بين الأمرين: بين الفقه وبين البناء، فإذا تحدث تحدث عن خبرةٍ وعن تجربة، وكثيراً ما تجده في كتابه هذا يقول: ( نازلة تونسية ) يتحدث عن المسألة ثم يعقب بعد ذلك بالقضايا الواقعة ؛ إذن لم تكن القضية مجرد تنظير فقهي فحسب وإنما هو ربطٌ للنظرية بالتطبيق.
وفي سنة 882 للهجرة أراد أحد ولاة المماليك واسمه ( يشبُك الداوَدَار ) أن يعيد تخطيط منطقة في القاهرة اسمها ( بين القصرين )، هذه المنطقة تأثرت طرقاتها كثيراً بسبب النظام العشوائي في البناء، فجاء ( يشبُك الداودار ) وهدم كثيراً من المنازل وبعضها كانت أوقاف، فضجّ الناس ،منهم من يؤيد ومنهم من يعارض، فانبرى أحد العلماء الشافعية واسمه ( أبو حامد المقدسي ) فألّف رسالة سماها ( الفوائد النفسية الباهرة في حكم شوارع القاهرة ) ووضح فيها كيفية البناء وكيفية تخطيط الطرقات وفق الشرع الشريف.
والمؤسف أننا حين تأثرنا بالمدرسة الغربية في الحياة كان المعمار – ولا يزال – من أهم الجوانب التي لا زال المسلمون يعبّون فيها من هذا الماء العكر فيستوردون الأفكار في قوالب جاهزة ربما لا تتناسب بتاتاً مع الوضع والظروف البيئية التي تعيشها بلاد العالم النامي ولا تتناسب مع الخصوصية التي دعا إليها الإسلام؛ ومن أحسن من تحدث عن الهجوم السافر للمدرسة الغربية على المعمار الإسلامي المهندسة ( سُهير حجازي ) في دراسة لها عن التحيز في التصميم المعماري، وهذا البحث جاء بحثاً متميزاً ضمن كتاب اسمه ( إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد – محور الفن والعمارة ) وهو صادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي بأمريكا. ومن ضمن ما قالته تقول: ( إذا عدنا إلى بدايات هذا القرن نجد أن المعماريين الأوروبيين قد نجحوا في دفع المجتمع العالمي – ومن ضمنه مصر والدول الإسلامية – لتبني طرازٍ معماري سُمي بالطراز الدولي وهو محصلة أفكار بعض المعماريين العالميين وأشهرهم والتر جروبياس وميسفانديروه وليكوربوزييه بدعوى توحيد طريقة التفكير المعماري وأسلوب حل المشاكل المعمارية والتخطيطية، وقد تسابق المعماريون في شتى بلاد العالم لتبني الطراز الدولي وتطبيقه وذلك انبهاراً بأهدافه وأسسه من ناحية وانبهاراً بحضارة المجتمعات الغربية من ناحية أخرى )، وبعد هذه الفقرة ذكرت كثيراً من الوقائع المتصلة بتخطيط المدن وتخطيط المنازل في الحواضر الإسلامية والتي تدل على التأثر الكبير بهذا الفكر الوافد وبخطورة سواءً على المستوى الشرعي أو على المستوى الدنيوي الذي يعيشه الإنسان المسلم من جرّاء التأثر بالمعمار الغربي.
وفي هذه الجلسة سنحاول أن نتطرق إلى ما يتصل بفقه بناء البيوت أو بالأحرى ببعض الجوانب الهامة فيما يتصل ببناء البيوت ونترك قضية تخطيط المدن وغير ذلك لمناسبةٍ أخرى ربما تكون مع ذوي الاختصاص.
أما البناء من حيث اللغة فهو وضع شيءٍ على شيء على وجهٍ يُراد به الثبوت كما جاء في ( كتاب الكلّيّات )، تقول : ( بنيت هذا المسجد ) لأنك وضعت هذه الحجرة على هذه الخشبة على هذا العمود على وجهٍ يُراد به الثبوت فلا ينتقل من مكانه؛ لكن لا تقول: ( بنيت هذا الكأس )، لماذا؟ لأنك وإن وضعته في هذا المكان لكن ليس على وجهٍ يُراد به الثبوت.
والبناء من حيث حكمه الشرعي الأصل فيه الإباحة وإن زاد على سبعة أذرع، وهذا التقييد لما ذكره البعض من أن البناء لا ينبغي أن يزيد على سبعة أذرع ارتفاعاً. أما النهي الوارد عن البناء في الحديث وهو ما جاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( إذا أراد الله بعبدٍ شراً أخضر له اللبن والطين حتى يبني )) فقد بيّن المناويّ أن ذلك يُحمل على ما كان للتفاخر أو زاد عن الحاجة؛ فالبناء الأصل فيه الإباحة ولكن إذا قُصِد به التفاخر أو زاد عن الحاجة ربما ينتقل إلى دائرة التحريم وسنتحدث عن هذه القضية بعد قليل بإذن الله.
القضية الثانية بعد بيان تعريف البنيان وحكمه : أين تبني؟ وهذه القضية لها أهميتها، وذلك لأن المقصد من البناء أن يجد الإنسان لنفسه مأمناً ومستقراً يأمن فيه ويحس فيه بالراحة والطمأنينة؛ والهدي النبوي يدلنا على أنه ينبغي للإنسان قدر استطاعته أن يبني في دويرة أهله وذلك لأن الإنسان أكثر ما يحس بالطمأنينة إذا كان قريباً من أهله فهم الذين يحمونه ويأوونه ويعينونه ويكونون معه في المنشط والمكره في أفراحه وأتراحه. وفي هذه القضية يقول ( خالد محمد عزب ) في كتاب ( تخطيط وعمارة المدن الإسلامية ): ( وكان للأصول السكانية والقبلية شأنٌ كبير في توزيع السكان في أحياء المدينة بحيث إن كل حيٍّ كانت تقطنه أسرةٌ أو قبيلة، وكانت مسؤولية توزيع الخطط في يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره الحاكم، وقد كان منهجه في ذلك يهدف إلى تجميع كل قبيلة في خطة خاصة بها مع ترك حرية تقسيم الخطط للقبيلة وفقاً لظروفها وإمكاناتها في الإنشاء والتعمير ومدى الحاجة إلى ذلك ). والمتأمل يلاحظ أنه حينما يكون في المكان أخلاط سكانية غير متجانسة تكثر المشكلات، أما حينما يوجد التجانس تجد أن معدل المشكلات ينخفض، وهذه حقيقة أثبتها علماء الاجتماع بحيث صارت لا تقبل شكاً ولا جدالاً، ومما يُذكر أن علماء الاجتماع المسلمين هم من أول من تنبه إلى هذه القضية؛ فقضية تقسيم الأحياء السكانية حسب الانتماء إلى الجنس وإلى الطبقة مِن أول من تنبه لها ( ابن أبي الربيع ) فاعتبر أنه ينبغي حينما تُنشأ المدينة أن يُراعى هذا الجانب، ونص عبارته : ( أنه لا ينبغي أن يكون في المكان الواحد أخلاطٌ سكانية )، فهذا هو الأصل. ولكن إذا كان الساكن في مدينة ومن شأن المدن أن تكون مُختلطة، فماذا يفعل المرء؟ في هذه الحالة ينبغي أن يبحث عن الجار الصالح أو أن يتجمع كل مجموعة ممن يتعارفون في شراء مجموعة أراضين متقاربة حتى يبنوا فيها ويجدوا فيها مستقرهم.
ومما ينبغي أن يُراعى في موقع البناء أن يكون بعيداً عن المسجد وذلك لما رواه الإمام مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: ( خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: (( بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد ))، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال: (( بني سلمة دياركم تُكتب آثاركم ))، فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا. ). والتباعد عن المسجد له علتان: العلة الأولى علةٌ تعبدية محضة وذلك أنه كلما بعد الإنسان عن المسجد ومشى إلى المسجد كان له بذلك أجرٌ كما جاء في الحديث (( ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخُطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة )). وأما العلة الثانية فهي أن تكون الأرض المحيطة بالمسجد أرضاً بيضاء فارغة بحيث إذا أراد المسلمون في أي وقتٍ من الأوقات أن يوسِّعوا المسجد أو يقيموا حوله ما يتصل به من منشآت كالمدارس والمجالس العامة التي ينتفع بها المسلمون تكون تلك الأرض فارغة، ولو أن الشارع رغَّب في السُكنى قريباً من المسجد لتزاحم الناس حتى صارت المدينة ضاجً بمن يتزاحمون حول المسجد فإذا أرادوا توسعته شقّ ذلك عليهم.
والقضية الثالثة: كم غرفةً تبني؟ والمتأمل يجد أنه ينبغي أن لا يقل ما يبنيه المرء عند الاستطاعة عن أربع غرف؛ أما الغرفة الأولى فهي للزوجين وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول: " يا أيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمناكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء "، فهذه الآية نصت على أن الذين لم يبلغوا الحلم – الأطفال غير البُلّغ – ينبغي أن يُؤدبوا على الاستئذان في أوقات النوم التي يخلو فيها الزوج مع زوجه، وفي هذا دليل على أن الطفل إذا كان قد وصل إ لى درجة يمكن أن يفهم فيها ما يدور بين الزوجين وأن ترتسم تلك الصور في ذهنه، في هذا دليل على أنه ينبغي أن لا ينام في غرفة والديه؛ فإذن الغرفة الأولى للزوجين. وأما الغرفتان الثانية والثالثة فإحداهما للذكور والأخرى للإناث بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرّقوا بينهم في المضاجع ))، وقد قال العلماء بأن الأصل في التفريق أن يكون هؤلاء في غرفة وهؤلاء في غرفة. إذن كم غرفة عندنا إلى الآن؟ ثلاث. وأما الغرفة الرابعة لمن كان مستطيعاً فهي للضيف وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ))، فإذا جاء الضيف منفرداً أو مع زوجه وحق ضيافته ثلاثة أيام هل ينام في العراء؟ لا، وإنما ينام في غرفةٍ أو في مكانٍ مستقل. هذا هو ما يفعله المرء عند السعة والاقتدار.
والقضية الرابعة التي ينبغي أن تُراعى في بناء المنزل: جانب الستر؛ وجانب الستر له شِقّان: شقٌ داخلي وشقٌ خارجي..شقٌ من داخل المنزل وشقٌ من خارج المنزل. أما عن الشق الذي من داخل المنزل فينبغي أولاً أن تُنكّب الأبواب بعضها عن بعض بحيث لا يكون باب هذه الغرفة مقابلاً لباب غرفة أخرى لأن هذا مدعاة إلى الانكشاف والإسلام أحرص ما يكون على الستر، وإذا كان المرء مطالباً بذلك إطلاقاً فإنه في حالة المساكنة يكون مطالباً أكثر من غيره، والمساكنة أن يكون مع الرجل في بيته غير محارم لزوجته مثلاً إخوانه أو بني إخوانه الذين بلغوا مبلغ الرجا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ